الخطيب الشربيني
456
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ومثل الأوثان الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بعبادة الله تعالى الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال ، وقال مقاتل : يعني إبليس وجنوده واحتج بقوله تعالى : أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [ يس : 60 ] فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ قال ابن عباس : دلوهم إلى طريق النار ، وقال ابن كيسان : قدموهم ، قال البغوي : والعرب تسمي السائق هاديا ، قال الواحدي : هذا وهم ؛ لأنه يقال : هدى إذا تقدم ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحوش ولا يقال : هدى بمعنى قدم . وَقِفُوهُمْ أي : احبسوهم قال البغوي : قال المفسرون : لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط فقيل لهم : قفوهم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قال ابن عباس : عن جميع أقوالهم وأفعالهم ، وروي عنه عن لا إله إلا الله ، وقيل : تسألهم خزنة جهنم عليهم السلام أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [ الملك : 8 ] أي : رسل منكم جاؤكم بالبينات قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [ الزمر : 71 ] ، وروي عن أبي برزة الأسلمي قال : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعلمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه » . وفي رواية و « عن شبابه فيم أبلاه » « 1 » ، وعن أنس أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به وإن دعا رجل رجلا ثم قرأ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ « 2 » . ويقال لهم توبيخا : ما لَكُمْ أي : أي شيء حاصل لكم شغلكم وألهاكم حال كونكم لا تَناصَرُونَ قال ابن عباس : لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر : نحن جميع منتصر ، فقيل لهم يوم القيامة ما لكم لا تناصرون ، وقيل : يقال للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب ويقال عنهم : بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ قال ابن عباس : خاضعون وقال الحسن : منقادون يقال : استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع ، والمعنى : هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم في دفع تلك المضار . ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ربما كان يظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد تكذيبهم فقال عاطفا على قوله تعالى : وَقالُوا يا وَيْلَنا [ الصافات : 20 ] . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ أي : الذين ظلموا عَلى بَعْضٍ أي : بعد إيقافهم لتوبيخهم وعبر عن خصامهم تهكما بقوله تعالى : يَتَساءَلُونَ أي : يتلاومون ويتخاصمون . قالُوا أي : الأتباع منهم للمتبوعين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ قال الضحاك : أي : من قبل الدين فتضلوننا عنه ، وقال مجاهد : عن الصراط الحق واليمين عبارة الدين الحق كما أخبر الله تعالى عن إبليس لعنه الله تعالى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [ الأعراف : 17 ] فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر ، قال ابن عادل : لا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيسر و « كان صلّى اللّه عليه وسلم يحب التيامن في شأنه
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي حديث 2416 ، 2417 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3228 .